1
نعي سميح القاسم للحكيم في الخميس فبراير 28, 2008 10:20 pm
freedom Routes
عضو مميز

عضو مميز

سميح القاسم
موقع الجبهه الشعبيه
أخي
ورفيقي... وصديقي الراحل المقيم، الدكتور جورج حبش تحية العروبة، وبعد،
يوم تحققت زيارتي الأولى في دمشق، أطلعني إخوتي ورفاقي السوريون على
برنامج الزيارة، وسألوني عن تعديلات أقترحها، قلت: أريد مقابلة جورج حبش.
قالوا
بأسى:إنه مريض يتلقى العلاج في عمان..وحين التقيت رفيق دربك وأخاك" أبو
علي مصطفى"، فقد قالها ببساطة وبعفوية نادرة: حين يمرض"الحكيم" فإننا
جميعاً نحسّ بالمرض..ولم يكتف الإسرائيليون بمرض غيابك الذي أصاب أخاك
ورفيقك"أبو علي مصطفى"، بل أوغلوا في حقدهم حتى اغتيال حامل رايتك،
واعتقال أحمد سعدات لانه أصرّ على بقاء الراية عالية خفّاقة..كان لا بدّ
من أن نلتقي، والتقينا في عمان، وحين كنت تعانقني على باب مضافتك، أو ما
يسميه العامة(صالون منزلك)، فقد التقطت عيني منظرا لا أنساه، بل لا أذكر
شيئاً سواه من "ديكورات" مضافتك..في صدر الديوان، وعلى موقع عالٍ كان
مجسَّم كامل الهيبة والأبهة والمعنى، لقبة الصخرة المقدسية المشرفة..وحين
سمعت نعيك على شاشة التلفزيون الفلسطيني، فقد بدت لي صورة قبة الصخرة في
زاوية الشاشة اليسرى، وكأنها صورة المجسَّم الذي زينت به صدر مضافتك.ولأنك
لا تحب الكلام إلا في قضايا الوطن وهموم الشعب وشجون الأمة والعالم، ولأن
هذا الوقت لا يبدو مناسباً لطرح المسائل الشخصية، فلن أسألك عن أحوال
الرائعات هيلدا والكريمتين والأقارب والرفاق والأصدقاء، سأترك الأسئلة
الشخصية لموتنا القادم.. أما الآن فسأكتفي بمخاطبة العالم: هنيئاً لك أيها
العالم فها هي فلسطين تموت بالتقسيط المريح.. هنيئاً لك وشكراً
جزيلاً..ولأن الشؤون الشخصية كانت وما زالت ثانوية وهامشية في حسابات
همومك، فلن تسألني عما يقوله الإسرائيليون في موتك.. ولا بأس عليك، لا بأس
علينا، فهم يعلنون رحيل"دكتور الارهاب" جورج حبش، وكل البأس عليهم لأنهم
لم يفقهوا أن تسميتك" بالحكيم" في أدبياتنا، لم تقتصر على تسميتنا الشعبية
للطبيب بالحكيم، بل تعدتها إلى معنى"الحكمة" الفكرية والسياسية التي طبعت
ذهنك ومّيزت ممارستك.. ولعلك تعلم أن أخاك ورفيقك وصديقك"اللدود" ياسر
عرفات شهيد الشعب والوطن والقضية، كان أشد الناس اعتزازاً بحكمتك، ومن
أكثرهم إهتماماً بتقديمها دليلاً على حيوية هذا الشعب، شعبنا الذي قرر أن
يتخطى النكبة ويتحدى اللجوء بإرادة الحرية والاستقلال وتقرير المصير.. ولن
ينسى لك هذا الشعب، تأكيدك الشجاع والمثابر على ضرورة تغليب"المصلحة
الوطنية العليا"والاحتكام الى"المنطق الثوري" واحترام حق التعددية
والالتزام بالحسم الديموقراطي..أخي ورفيقي، حين ننعتك بالقائد التاريخي،
فليست هذه مجاملة لموتك، بل إنه الاعتراف الواجب بدور شاب في مقتبل العمر
يدرس الطب ويؤسس لحركة القوميين العرب، ثم يمارس الطب والكفاح ويؤسس
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في ظرف صعب آخر من ظروف شعبنا الصعبة
كلها..لأن المقاومة المشروعة هي في عرف الاحتلال ضرب من ضروب الإرهاب فقد
عرَّفك المحتلون بالإرهابي، دون أدنى احترام إنساني لمشيئة إنسان شُرّد عن
مسقط رأسه على أرض اللد والرملة، ليشيّد الغزاة على أرضه مطاراً..وما دمنا
نتبادل هواجس الألم وشؤون العذاب، فلأروِ لك هذه"الطرفة".. قبل أعوام كنت
مسافراً إلى مؤتمر في العاصمة البلغارية صوفيا بصحبة رفيق يهودي هو
الپروفيسور كالمان ألتمان ... وبطبيعة الحال فقد تعرّضت لحملة تفتيش دقيق
ومهين.. طلب إليّ رجل الأمن الإسرائيلي أن اخلع حذائي لفحصه"بأشعة رنتغن"
كما يبدو، وإزاء الإهانة تملكتني شهوة الأنتقام، فقلت لرجل الأمن: ومنذ
متى يضطر زائر جورج حبش لخلع حذائه؟....تساءَل رجل الأمن: وما علاقة جورج
حبش بالفحص الأمني هنا؟...قلت أعتقد أن هذا المطار مبنى على أرض جورج حبش،
ولعلكم تريدون تقديمي إليه في مضافته هناك في تلك القاعة!!واستشاط رجل
الأمن غضباً، وراح يشتمني ويشتمك، فتدخل الرفيق كالمان ألتمان، فدفعوه
جانباً، وأصروا على أن أخلع حذائي لفحصه" بجهاز الكشف عن المعادن"، كما
يبدو..وطوال الرحلة من المطار المشيد على أرضك إلى العاصمة البلغارية
صوفيا، والپروفيسور كالمان ألتمان يتمتم من وقت لآخر: صعبة جداً، صعبة
جداً الحياة مع هؤلاء!ولأنك يا أخي ورفيقي من أبرز المفكرين الذين أتقنوا
معادلة المصالحة والانسجام بين القومية والأممية، فلا شك لدي في أنك تبتسم
بألم إزاء هذه" الطرفة" الفادحة..إبتسم بألم يا جورج حبش، وابتسم بمرارة.
كما تشاء،إنما من حقك أيضاً أن تبتسم لراحة ضميرك في موتك العارض... فهذا
الشعب كله يعرف وعيك وعنفوانك وصدقك ونبل أخلاقك ونظافة يدك وطهر قلبك..
ولعلك سمعت،إذا كان الموتى يسمعون، هتافات أحبائك في الضفة وفي القطاع:يا
هنيّة ويا عباسوحدتنا هّيي الأساسولعلك سمعت، إذا كان الموتى يسمعون، هدير
أنصارك وعارفي فضلك، في ميادين فلسطين وأزقتها، حين بلغهم نبأ رحيلك
المرهق:جورج حبش ما بيموتلو حطيتو في تابوت..وهل لي أن أعزيك، بما أنا في
أمس الحاجة إليه، من العزاء؟ فليكن. ولعلّ شيئاً من العزاء في أن صورة
قلبك ستظل نابضةً في قلب شعبك... وأن رسالتك الثورية الشريفة العنيدة،
رسالة الحرية والاستقلال وتقرير المصير، غير قابلة للموت، أو أنها غير
مستعدّة للموت وغير مهيّأة له..ولنعترف بأن حياتنا كلها صعبة... وكم كانت
حياتك صعبة عليك.. وكم هو موتك صعب علينا!ولأنني مرهقٌ بحياتي ومرهقٌ
بموتك، فلك أن "تشخّص" وجعي أيها الحكيم"الحكيم".. ولك أن تعذر كلماتي
الأخيرة فيك، على سمع العالم وتحت بصره: هنيئاً لك أيها العالم
الوبش..هنيئاً لك الموت الفلسطيني بالتقسيط المريح... وشكراً لك أيها
العالم الوبش..شكراً جزيلا









